الاثنين، 8 أغسطس 2011

أصل اللغة أإلهام هي أم أصطلاح


هذا موضع محوج إلى فضل تأمل غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف إلاّ أن أبا علىّ رحمة الله قال لي يوماً هي من عند اللّه واحتجّ بقوله سبحانه ( وعلم آدم الأسماء كلها ) وهذا لا يتناول موضع الخلاف وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله أقدر آدم على أن واضع عليها وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة فإذا كان ذلك محتملاً غير مستنكَر سقط الاستدلال به وقد كان أبو عليّ رحمه الله أيضاً قال به في بعض كلامه وهذا أيضاً رأى أبي الحسن على أنه لم يمنع قول من قال أنها تواضع منه على أنه قد فُسّر هذا بأن قيل إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات العربية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية وغير ذلك من سائر اللغات فكان آدم وولده يتكلمون بها ثم إنّ ولده تفرقوا في الدنيا وعِلق كل منهم بلغة من تلك اللغات فغلبت عليه واضمحلّ عنه ما سواها لبعد عهدهم بها 
 وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقّيه باعتقاده والانطواءُ على القول به 
 فإن قيل فاللغة فيها أسماء وأفعال وحروف وليس يجوز أن يكون المعلَّم من ذلك الأسماء دون غيرها مما ليس بأسماء فكيف خصّ الأسماء وحدها 
 قيل اعتَمَد ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القُبُل الثلاثة ولا بدّ لكل كلام مفيد من الاسم وقد تستغني الجملة المستقلّة عن كل واحد من الحرف والفعل فلمّا كانت الأسماء من القوّة والأوّلية في النفْس والرتبة على مالا خفاء به جاز أن يكتفي بها مما هو تال لها ومحمول في الحاجة إليه عليها وهذا كقول المخزوميّ 
 ( الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علَوْا فرسي بأشقر مزبد ) 
 أي فإذا كان الله يعلمه فلا أبالي بغيره سبحانه أذكرته واستشهدته أم لم أذكره ولم أستشهده ولا يريد بذلك أنّ هذا أمر خفيّ فلا يعلمه إلا الله وحده بل إنما يحيل فيه على أمر واضح وحال مشهورة حينئذ متعالَمة وكذلك قول الآخر 
 ( الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى أحبابنا صور ) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق